محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

16

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

للسائل أن يسأل فيقول : هل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الفرق وتأخيرها ورفع « الصابئين » في آية ونصبها في أخرى غرض يقتضي ذلك ؟ الجواب أن يقال : إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة ، ثم أعادها في موضع آخر من القرآن ، وقد غير فيها لفظة كما كانت عليه في الأولى فلا بد من حكمة هناك تطلب ، فإذا أدركتموها قد ظفرتم ، وإن لم تدركوها ؛ فليس لأنه لا حكمة هناك بل جهلتم . فأما الآية الأولى في هذه السورة ، فإن فيها مسائل ليس هذا المكان مكانها ؛ لأنه يقال : كيف قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي : من آمن منهم باللّه واليوم الآخر ، وإذا وصفوا بأنهم آمنوا ، فقد ذكر أنهم آمنوا باللّه واليوم الآخر ، إلا أن الذي نذكره في هذا المكان هو أن المعنى : إن الذين آمنوا بكتب اللّه المتقدمة مثل صحف إبراهيم ، والذين آمنوا بما نطقت به التوراة وهم اليهود ، والذين آمنوا بما أتى به الإنجيل وهم النصارى ، فهذا ترتيب على حسب ما ترتب تنزيل اللّه كتبه ، فصحف إبراهيم عليه السّلام قبل التوراة المنزلة على موسى عليه السّلام ، والتوراة قبل الإنجيل المنزل على عيسى عليه السّلام ، فرتبهم عز وجل في هذه الآية على ما رتبهم عليه في بعثة الرسالة ، ثم أتى بذكر « الصابئين » وهم الذين لا يثبتون على دين ، وينتقلون من ملة إلى ملة ، ولا كتاب لهم ، كما للطائفتين اللتين ذكرهما اللّه تعالى في قوله : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا « 1 » فوجب أن يكونوا متأخرين عن أهل الكتاب ، وأما بعد هذا الترتيب فترتيبهم في سورة المائدة وتقديم الصابئين على النصارى ورفعه هنا ونصبه هناك ترتيب ثان ، فالأول على ترتيب الكتب ، والثاني على ترتيب الأزمنة ؛ لأن الصابئين وإن كانوا متأخرين عن النصارى بأنهم لا كتاب لهم ، فإنهم متقدمون عليهم بكونهم قبلهم ؛ لأنهم كانوا قبل عيسى عليه السّلام ، فرفع : « الصابئون » ونوى به التأخير عن مكانه كأنه قال بعد ما أتى بخبر : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والصابئون هذا حالهم أيضا ، وهذا مذهب سيبويه ؛ لأنه لا يجوز عنده ، ولا عند البصريين وكثير من الكوفيين : إن زيدا وعمرو قائمان ، والفراء يجيز هذا على شريطة أن يكون الاسم الأول المنصوب بأن لا إعراب فيه ، نحو : إن هذا وزيد قائمان ، وهذه من كبار المسائل ذوات الشعب ، ويتعلق بالخلاف بين البصريين والكوفيين في أن لها عملين النصب والرفع على مذهب البصريين ، وأن لها

--> ( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 156 .